فخر الدين الرازي
470
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الخامسة : اعلم أنه ليس المراد أنه لا يضيع نفس العمل ، لأن العمل كلما وجد تلاشى وفنى ، بل المراد أنه لا يضيع ثواب العمل ، والإضاعة عبارة عن ترك الإثابة فقوله : لا أُضِيعُ نفي للنفي فيكون اثباتا ، فيصير المعنى : اني أوصل ثواب جميع أعمالهم إليكم ، إذا ثبت ما قلنا فالآية دالة على أن أحدا من المؤمنين لا يبقى في النار مخلدا ، والدليل عليه أنه بإيمانه استحق ثوابا ، وبمعصيته استحق عقابا ، فلا بد من وصولهما اليه بحكم هذه الآية والجمع بينهما محال ، فاما أن يقدم الثواب ثم ينقله إلى العقاب وهو باطل بالإجماع ، أو يقدم العقاب ثم ينقله إلى الثواب وهو المطلوب . المسألة السادسة : جمهور المفسرين فسروا الآية بأن معناها أنه تعالى قبل منهم أنه يجازيهم على أعمالهم وطاعاتهم ويوصل ثواب تلك الأعمال إليهم . فان قيل : القوم أولا طلبوا غفران الذنوب ، وثانيا إعطاء الثواب فقوله : أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ إجابة لهم في إعطاء الثواب ، فأين الإجابة في طلب غفران الذنوب ؟ قلنا : إنه لا يلزم من إسقاط العذاب حصول الثواب ، لكن يلزم من حصول الثواب سقوط العقاب فصار قوله : أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ إجابة لدعائهم في المطلوبين . وعندي في الآية وجه آخر : وهو أن المراد من قوله : أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ أني لا أضيع دعاءكم ، وعدم إضاعة الدعاء عبارة عن إجابة الدعاء ، فكان المراد منه أنه حصلت إجابة دعائكم في كل ما طلبتموه وسألتموه . وأما قوله تعالى : مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى فالمعنى : أنه لا تفاوت في الإجابة وفي الثواب بين الذكر والأنثى إذا كانا جميعا في التمسك بالطاعة على السوية ، وهذا يدل على أن الفضل في باب الدين بالأعمال ، لا بسائر صفات العاملين ، لان كون بعضهم ذكرا أو أنثى ، أو من نسب خسيس أو شريف لا تأثير له في هذا الباب ، ومثله قوله تعالى : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [ النساء : 123 ] وروي أن أم سلمة قالت : يا رسول اللّه إني لأسمع اللّه يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت هذه الآية . أما قوله تعالى : بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ففيه وجوه : أحسنها أن يقال : مِنْ بمعنى الكاف أي بعضكم كبعض ، ومثل بعض في الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية . قال القفال : هذا من قولهم : فلان مني أي على خلقي وسيرتي ، قال تعالى : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي [ البقرة : 249 ] وقال عليه الصلاة والسلام : « من غشنا فليس منا » وقال : « ليس منا من حمل علينا السلاح » فقوله : بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أي بعضكم شبه بعض في استحقاق الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية ، فكيف يمكن إدخال التفاوت فيه ؟ ثم قال تعالى : فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ والمراد من قوله : فَالَّذِينَ هاجَرُوا الذين اختاروا المهاجرة من أوطانهم في خدمة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، والمراد من الذين أخرجوا من ديارهم الذين ألجأهم الكفار إلى الخروج ، ولا شك أن رتبة الأولين أفضل لأنهم اختاروا خدمة الرسول عليه السلام وملازمته على الاختيار ، فكانوا أفضل وقوله : وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي أي من أجله وسببه وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لان المقاتلة تكون قبل القتال ، قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وَقاتَلُوا بالألف أولا وَقُتِلُوا مخففة ، والمعنى أنهم قاتلوا معه حتى قتلوا ، وقرأ ابن كثير وابن عامر وَقاتَلُوا أولا وقتلوا مشددة قيل : التشديد للمبالغة وتكرر القتل فيهم